عصابات الشوارع لا تنشأ من فراغ. إنها نتيجة لمشكلة أعمق في المجتمع – تجربة الإقصاء وعدم المساواة. في هذه المقالة أتوقف لأسأل: لماذا يختار الشاب الشارع، وكيف يمكننا بناء مستقبل يكون فيه لكل شخص مكان حقيقي في المجتمع.
عصابات الشوارع ليست ظاهرة جديدة
أصبحت عصابات الشوارع في فنلندا موضوعًا كبيرًا للنقاش خلال السنوات الأخيرة.
لكن الظاهرة ليست جديدة – فقد وُجدت عصابات الشوارع من قبل أيضًا، إلا أن ظهورها وتأثيرها على المجتمع قد ازدادا خصوصًا في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
اليوم تنشط في منطقة العاصمة عدة عصابات شوارع لها اسمها الخاص وهويتها وسمات مرتبطة بالنشاط الإجرامي.
المشكلة حقيقية، لكن في الوقت نفسه من المهم التوقف لنسأل: من أين تنشأ هذه الظواهر؟ لماذا يشعر بعض الشباب أن الشارع يقدّم أكثر مما يقدّمه المجتمع؟
الحاجة إلى الانتماء وجاذبية الشوارع
غالبًا ما يُنسى في النقاش أن الانخراط في العصابات لا يبدأ من فراغ.
بالنسبة لكثير من الشباب، توفّر عصابة الشارع ما لم يستطع المجتمع الآخر تقديمه: شعورًا بالانتماء، وقبولًا، وتقديرًا.
عندما لا تدعم المدرسة أو البيت أو أي بيئة أخرى، وعندما يشعر المرء في المجتمع بأنه مُستبعَد، قد يكون الاستقبال في الشارع دافئًا – ولو كان الثمن باهظًا.
تمنح العصابات مكانة واحترامًا وموقعًا في جماعة يصعب تحقيقه بغير ذلك.
قوانين الشارع وقواعده بسيطة ومباشرة، بخلاف المسارات التي يفرضها المجتمع الرسمي على الشباب غالبًا.
يظهر ذلك بشكل خاص لدى الشباب من أصول مهاجرة من الجيلين الثاني والثالث.
لقد وُلدوا ونشأوا في فنلندا، لكنهم لا يزالون يشعرون أنهم لا ينتمون إلى هنا.
يواجه كثيرون في حياتهم اليومية تمييزًا ورفضًا مستمرين، حتى لو كان مكتوبًا في جواز السفر ”مواطن فنلندي”.
هذه التجربة بعدم الانتماء هي التربة التي ينمو فيها الانخراط في العصابات – ليس كنمط حياة إجرامي مختار، بل كخيار وحيد ليتم رؤيتهم.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صعود عصابات الشوارع
غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي عمل عصابات الشوارع بشكل جذري.
في السابق كانت السمعة تُكتسب في الشارع، مع الوقت وبفعل الأفعال.
اليوم يمكن أن تولد الشهرة في لحظة واحدة: بفيديو واحد، أو مواجهة واحدة، أو حركة استعراضية واحدة.
تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي عصابات الشوارع إلى علامات تجارية.
وهي تُسرّع السعي وراء السمعة وتشوّه الواقع.
يرى الشباب صورة لامعة: أسلحة، واحترامًا سريعًا، و”مصداقية الشارع”.
أما الواقع – العنف، والسجون، وفقدان المستقبل – فيبقى في الظل.
هذا التطور يجعل العصابات أكثر جاذبية لمن يبحثون عن قبول سريع في عالم يبقون فيه غير مرئيين في غير ذلك.
عصابات الشوارع في منطقة العاصمة
تنشط في منطقة العاصمة عدة عصابات شوارع ذات هوية واضحة وارتباط إقليمي قوي.
لقد رسّخت هذه المجموعات مكانتها محليًا، ولدى كثير منها صلات مباشرة بالإجرام الخطير.
أشهر عصابات الشوارع في منطقة العاصمة هي:
-
L-City (Espoo، Leppävaara وSuvela)
-
Kurdish Mafia / 47 (Helsinki)
-
Mantaqa (Espoo)
-
RK-98 (Helsinki، Vuosaari)
-
Dödspatrullen (Helsinki)
بالإضافة إلى ذلك، يمكن ذكر ما يلي تاريخيًا:
-
New Public Criminals (NPC) (Helsinki، وسط المدينة ومنطقة محطة القطار – نشطة في أوائل تسعينيات القرن الماضي)
تختلف عصابات الشوارع الحالية عن المجموعات السابقة الأكثر رخاوة من حيث درجة تنظيمها، وانخفاض عتبة اللجوء إلى العنف، وارتباطها الوثيق بتجارة المخدرات.
دور المجتمع ومسؤولية السياسة
في النقاش حول عصابات الشوارع غالبًا ما يُشدَّد على مسؤولية الفرد.
ويُتحدث أقل عن البنى المجتمعية التي تسهم في التهميش والانخراط في العصابات.
تم ترك الاندماج إلى حد كبير على عاتق الفرد، من دون دعم وتوجيه كافيين.
وفي الوقت نفسه يستمر التمييز البنيوي صامتًا لكنه ظاهر.
عندما يؤثر الاسم أو المظهر أو الخلفية في الفرص داخل المدرسة وسوق العمل، تكون الرسالة للشباب واضحة: هذا البلد ليس لك.
إن النقاش السياسي الحالي، الذي تُعامَل فيه الفئات ذات الخلفية المهاجرة أولًا بوصفها مشكلة، لا يساعد على دمج الشباب في المجتمع – بل يدفعهم بعيدًا أكثر.
ورغم أن سياسة الهجرة تحتاج إلى تحديث وإدارة منظمة، فإن النقاش العام يحتاج قبل كل شيء إلى إعادة الكرامة الإنسانية إلى صميم الحوار.
جدران غير مرئية في سوق العمل
يظهر التمييز في سوق العمل بشكل ملموس.
يبذل كثير من الشباب ذوي الخلفية المهاجرة قصارى جهدهم: يتعلمون، ويتقدمون للوظائف، ويحاولون التأقلم.
ومع ذلك، يصبح الاسم أو الخلفية أو حتى اختلاف بسيط عائقًا في البحث عن عمل.
وعندما لا تأتي دعوة المقابلة مرة بعد مرة، رغم أن المؤهلات والمهارات على ما يرام، يتعزز شعور الإقصاء.
يمكن احتمال رفض واحد بعد.
لكن العشرات والمئات تنقل رسالة تنفذ إلى تحت الجلد: ”أنت لا تنتمي إلى هنا.”
ومن تلك الرسالة مسافة قصيرة للبحث عن قيمته في مكان آخر.
منظور الأمن – أكثر من مجرد ظاهرة إجرامية
عصابات الشوارع ليست مجرد مشكلة اجتماعية.
بل تشكل أيضًا خطرًا أمنيًا متزايدًا.
عندما تنتظم عصابات الشوارع، وتتوسع تجارة المخدرات، ويتطبع العنف، فإن الخطر لا يهدد الشباب المنخرطين فقط، بل يهدد استقرار المجتمع بأسره.
يُبنى الأمن ليس فقط بعمل الشرطة والرقابة، بل أيضًا بالعدالة الاجتماعية.
يتطلب استئصال عصابات الشوارع الأمرين معًا: رقابة قوية من السلطات، وقبل كل شيء مجتمعًا يستطيع كل فرد أن يشعر بأنه ينتمي إليه.
ما الذي نحتاجه حقًا؟
لا يوجد الحل في إجراء واحد.
نحتاج إلى دعم مبكر منذ الطفولة واليافعة.
نحتاج إلى اندماج أقوى تكون فيه مهارة اللغة والتعليم والمشاركة المجتمعية في الصميم.
نحتاج إلى مساواة حقيقية في سوق العمل، حيث تحسم الكفاءة لا الاسم.
نحتاج إلى سرديات مضادة على وسائل التواصل الاجتماعي، تُقدَّم فيها للشباب قصص نجاح بدلًا من الإجرام.
وقبل كل شيء نحتاج إلى قيادة سياسية تتحدث عن البناء لا عن الفرز.
عندها فقط يفقد الشارع جاذبيته.
وعندها فقط تنفتح البدائل قبل أن يغلقها الشارع.
عندما نغلق الأبواب، يفتح الشارع أبوابه
عصابات الشوارع عرض.
عرض على أن المجتمع لم يصبح بعد مستعدًا لضم الجميع.
عندما يُترك الشاب وحده بلا فرص، وبلا مكان يشعر فيه بقيمته، يقدّم الشارع نسخته الخاصة من الجماعة.
إنه بديل حين لا يبدو أن هناك بديلًا آخر.
إذا أردنا مجتمعًا أكثر أمانًا وأقوى، فعلينا أن ننظر أعمق.
يُبنى الأمن على العدالة، والمشاركة، وعلى أن يحصل كل فرد على فرصة لبناء مستقبله.
مهمتنا أن نضمن ألا يبقى أي شاب ينتظر القبول في الشارع – بل يجده في هذا المجتمع.
المصدر: Uusi Suomi